عبد الرحمن بن محمد البكري

144

الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار

وقال : إذا سمعت العالم بالشرع يظهر نفسه في العلم ، وحاله في المعرفة عند الخاصة ، والعامة فاهرب منه فإنه مفتون مغرور ، إلا أهل الورع بالخشية فإن النصيحة تحثهم على إرشاد الجهلة العميان ، وإذا سمعت العالم باللّه عز وجل يظهر نفسه في العلم ، ومقامه في المعرفة ، ودرجته في اليقين ، والمشاهدة عند العامة دون الخاصة فاحذره فإنه محجوب متكلف إلا أهل الزهد ، والرضى فإن حق الإنصاف يحملهم على طلب مزيد الهداية للبر ، والفاجر . وقال : العلماء بأمر اللّه أدلاء على طريق الحق للّه ، والعلماء باللّه مرشدون على محجة الحقيقة إلى اللّه ، ومن هاهنا ارتفع العلماء بالأمر على أهل الإيمان درجات ، وشرف العلماء باللّه على العلماء بالأمر مقامات ، لأن العالم باللّه قد أحكم أمر اللّه ، ونهيه ، وزاد بالمعرفة ، واليقين ، والبصيرة في الدنيا ، والآخرة فزهد في الدنيا بالحقيقة ، ورضى عن اللّه فتوكل بالثقة ، وقنع بربه عن كل شئ سواه ، والعالم بالأمر محبوس على حظه في الدنيا محجوب بمخوف الفقر منهما ، فإما أن يخرجه الحرص ، والرغبة إلى الحسد ، والبغى للذكر ، والشرف فيصير حامل حجة على نفسه مطالب بحق اللّه عليه فيما علم ، وأما أن يؤديه إلى التقاطع ، والتدابر ، والبدع ، والأحداث ، أو يبقيه على حاله متألما ، أو يتلاقاه اللّه بالورع ، والخشية ، والإنصاف ، والزهد ، والنصيحة فيلحق بدرجات العلماء باللّه عز وجل « 1 » .

--> ( 1 ) قال الإمام أبو حامد الغزالي في رسالته أيها الولد : فاعلم أنه ينبغي للسالك شيخ مرشد ، مربّ ، ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته . ويجعل مكانها خلقا حسنا . ومعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ، ويخرج النباتات الأجنبية بين الزرع ، ليحسن نباته ويكمل ريعه ، ولا بد للسالك من شيخ يربيه ، ويرشده إلى سبيل اللّه تعالى ؛ لأن اللّه أرسل للعباد رسولا للإرشاد إلى سبيله . فإذا ارتحل صلى اللّه عليه وسلّم فقد خلف الخلفاء في مكانه ، -